ابن أبي الحديد
28
شرح نهج البلاغة
كان متدينا به ، معتقدا لصوابه ، فان كثيرا من الناس يرضون بأشياء من حيث كانت دافعة لما هو أضر منها ، وان كانوا لا يرونها صوابا ، ولو ملكوا الاختيار لاختاروا غيرها ، وقد علمنا أن معاوية كان راضيا ببيعة يزيد وولاية ( 1 ) العهد له من بعده ، ولم يكن متدينا بذلك ومعتقدا صحته ، وإنما رضى عمر ببيعة لابن أبي بكر ، من حيث كانت حاجزة عن بيعة أمير المؤمنين عليه السلام ، ولو ملك الاختيار لكان مصير الامر إليه ( 2 ) أسر في نفسه ، وأقر لعينه ، وان ادعى ان المعلوم ضرورة تدين عمر بامامة لابن أبي بكر ، وأنه أولى بالإمامة منه ، فهذا مدفوع أشد دفع ، مع أنه قد كان يبدر من عمر ( 3 ) في وقت بعد آخر ما يدل على ما أوردناه ، روى الهيثم ( 4 ) بن عدي من عبد الله بن عياش الهمداني ( 5 ) عن سعيد بن جبير ، قال : ذكر أبو بكر وعمر عند عبد الله بن عمر ، فقال رجل : كانا والله شمسي هذه الأمة ونوريها ، فقال ابن عمر : وما يدريك ؟ قال الرجل : أوليس قد ائتلفا ! قال ابن عمر : بل اختلفا لو كنتم تعلمون ! أشهد أنى كنت عند أبي يوما ، قد امرني أن أحبس الناس عنه ، فاستأذن عليه عبد الرحمن بن أبي بكر فقال عمر : دويبة سوء ، ولهو خير من أبيه ، فأوحشني ذلك منه ، فقلت : يا أبت ، عبد الرحمن خير من أبيه ! فقال : ومن ليس بخير من أبيه لا أم لك ! ائذن لعبد الرحمن ، فدخل عليه فكلمه في الحطيئة الشاعر أن يرضى عنه ، وقد كان عمر حبسه في شعر قاله ، فقال عمر : ان في الحطيئة أودا ( 6 ) فدعني أقومه بطول حبسه ، فألح عليه عبد الرحمن وأبى عمر ،
--> ( 1 ) الشافي : ( وولايته ) ( 2 ) * الشافي : ( آثر ) * ( 3 ) الشافي : ( منه - أعني عمر ) . ( 4 ) هو الهيثم بن عدي الطائي المنبجي الكوفي ، كان أخباريا روي عن هشام بن عروة وعبد الله بن عياش ومجالد ، قال بن عدي : إنما هو صاحب اخبار . وقال ابن المدني : هو أوثق من الواقدي ولا أرضاه في شئ . وقال النسائي : متروك الحديث . وقال أبو نعيم : يوجد في حديث المناكير توفي سنة 206 ، لسان الميزان 4 : 210 . ( 5 ) في الأصول والشافي : ( عباس ) ، تصحيف ، وهو عبد الله بن عياش بن عبد الله الهمداني الكوفي ، كان راوية للاخبار والآداب ، ويقع في اخباره المناكير . مات سنة 158 ، لسان الميزان 3 : 322 . ( 6 ) الشافي : ( إن الحطيئة لبذئ )